الاسم*
الهاتف
البلد
البريد الالكتروني*
رسالتك*
الحقول ذات العلامة * إلزامية
العنوان
جدة, المملكة العربية السعودية
الهاتف
00966 2 651 3321
الفاكس
00966 2 651 0846
البريد الالكتروني
alim@alimlaw.com
 
هل هو حقا قضاء شرعي - بقلم / بدر بن إبراهيم الراجحي القاضي بمحكمة مكة المكرم

جلست في لقاء مع أحد زملاء المهنة وكنت أناقش معه تجاوزات قضائية مارسها قاض مع بعض المتهمين في سماع الدعوى والجواب في غير مقر المحكمة، فسألني عن التهمة الموجهة أصلا ولما كانت القضية منظورة في المحكمة الأمنية ويلفها غموض كثير قلت لا أعرف التهمة تحديدا، فقد سمعت مرة أنها تأسيس جبهة، ومرة أنها ملكية دستورية، ومرة أنها فقاطعني ما هي الملكية الدستورية؟

 

    قلت هي دعوة يرى أصحابها أن تكون الوزارات التنفيذية بيد الخبراء من غير الأسر الحاكمة، ليمكن المراقبة والمحاسبة، نظرا لاستحالة القيام بذلك مع أبناء الأسرة.

 

    فقال القاضي أعوذ بالله هذه تستحق قطع رقابهم!

 

    فتفاجأت وقلت بغض النظر عن الفكرة هل تصريح من يرى أن مشروعه إصلاحي وهو من أهل الاختصاص وبوسيلة سلمية ومعلنة هل يستحق القتل؟

 

    فقال نعم لأن هذه دعوة صريحة للخروج على ولي الأمر لا تنطلي إلا على جاهل!

 

    إنني أسوق هذه الحادثة وأنا أتحدث عن توابع تأصيل شروط اعتبار قضائنا شرعيا ومستقلا, فأنا قاض لم أجد أن في نظامنا القضائي ما يجرم هذا الفعل، ثم أسمع من قاض على رأس العمل يرى إيقاع اشد عقوبة ممكنة على نفس الفعل!!

 

    أجدني حقيقة عاجزا عن إضفاء وصف القضاء الشرعي على غموض بهذا الشكل!

 

    قد اعتبر هذا الغموض هو نتيجة لممارسات وزارة الداخلية في تجريم كثير من أنشطة الناس سواء كانت من فروع العمل الخيري، أو العمل الإصلاحي، دون ذكر مبرر حقيقي لهذا التجريم، لا في مستند شرعي ولا نظامي سابق لهذه الأحداث إلا الضخ الإعلامي وحشد المقالات والتصاريح حتى يتحول بسهولة ما كان سابق من أفضل القربات إلى جريمة يوقف بسببها ويمنع من أهله، بل يساء معاملته في سجون انفرادية تفتقر لأبسط المقومات الإنسانية!

 

    وأنا أتذكر تعرض قيادات في العمل الخيري والدعوي وأساتذة جامعات وأعيانفي هذا البلد لمثل هذه الممارسات، دون إيضاح لتهم ولا أوامر قضائية ولا أحكام ملزمة!

 

    مسألة إصلاح القضاء في هذا الباب حساسة وخطيرة خاصة مع تعقد الحياة وكثرة التجاوزات والممارسات التي لا يستطيع الناس أن يعطلوا أنشطتهم ومشاركتهم في إصلاح حالهم وتنمية بلادهم بسبب تخوفهم من إدانة وسجن وعقوبات تفسر بالخروج أو قلب نظام الحكم.

 

    هذه التهمة الأخيرة هي سبب كتابة هذا المقال تحديدا فقد تابعت مع غيري خبر إعلان (حزب الأمة الإسلامي) ثم سمعت خبر اعتقال أعضاءه فبدر لي سؤال عند خبر الإعلان هل -ونحن نعيش في آثار ثورة تونس ومصر وأحداث البحرين واليمن وليبيا وغيرها - نعيش ممارسة إصلاحية تخفف بعض الاحتقان وتدعو الناس إلى المشاركة في الإصلاح والتنمية بغض النظر عن المبادئ والمطالب؟

 

    فلما سمعت خبر الاعتقال تساءلت عن تأثير مثل هذه الممارسة الأمنية على الاحتقان والاستياء الشعبي.

 

    ثم رجعت إلى نفسي لأحاول فهم التكييف القضائي وهل هذا الفعل سائغ؟ وهل الإيقاف والاعتقال مبرر من الناحية القضائية شرعا ونظاما؟

 

    هنا تذكرت التهمة الأولى التي بدأت بها المقال، وأن من التهم تكوين جبهة هنا تذكرت جواب الزميل فقلت أنا هذه المرة أعوذ بالله!

 

    أعجب كثيرا إذا سمعت عن المحاورات التي تحصل بين أهالي الموقوفين لدى المباحث وبين المسئولين فالحديث يدور حول أنهم قائمون بأعمال خطيرة، وموضوعهم شائك، يحتاج إلى حسم في التعامل معه!

 

    وسبب العجب أن الموقوف لدى المباحث له سنين في كثير من الأحوال، وأشهر في عمومها على الأقل، ومع ذلك لم يتم إحالته إلى محاكمة، بل ولا تحديد للتهم الموقوف من أجلها، ويكتفي القائمون على الجهاز بأوراق الملف المتراكمة والتي تحتوي عناصر متفرقة من لقاءات أو اتصالات أو زيارات دون تمحيص دلالة كل واحدة، والتي تظهر بمحاكمة شفافة وواضحة في الدلائل والبينات، والحكم بناء عليها مع إبقاء حق هذا المتهم في الاستئناف استكمالا لدائرة التدقيق والتثبيت.

 

    إن ما يحصل بكل بساطة يعني أن جهاز المباحث يمارس مهام أجهزة مختلفة في الدولة، ومع ذلك لا يطبق من أنظمة هذه الأجهزة شيئا، فيصير الحال وكأنه إلغاء لكل أنظمة البلد وإبقاء الصلاحيات المفتوحة التي تصنع حالة خطيرة من الاحتقان الناتج عن تجاوزات الجهاز لحقوق المواطنين وانتهاكاته الصارخة، ثم استشعار المواطن للظلم المتصاعد وعدم وجود أي سبيل لرفعه بالوسائل النظامية، فلا القضاء نافع ومنصف في مثل هذه الحالات، ولا المسئولون متفهمين، ولا وسائل الإعلام متعاونة، والجمعيات الحقوقية أكثر عجزا من المواطن نفسه!

 

    هذا الإغلاق مع ازدياد أعداد الموقوفين كل يوم، وتصاعد حالة الشعور بالظلم لديهم ولدى أهاليهم، ثم لدى عموم الناس يورث في نفسي شعورا أخر غير العجب الأول هو الخوف من الخيار الذي يمكن أن يمارسه هؤلاء المظلومون بعدما أغلقت جميع الوسائل النظامية أمامهم، لا أحب التفكير في أبعاد هذا الخيار ولا ملامحه وأثار ذالك كله، لكني لا أعرف وسيلة أخرى لمنعه غير فتح المجالات النظامية حقيقة، وتمكين أنظمة البلد وعدم تجاوزها، وبكل تأكيد إلزام جهاز المباحث بأعماله فقط وهي التحري والتثبت ثم القبض في حدود المسموح به نظاما وتمكين المتهم من جميع حقوقه ومنها الإطلاع على التهمة، ومقابلة المحامي والأهل، وعدم الإهانة، ولا التعذيب ولا سجنه بسجن غير لائق، ولا مسيئ، ولا إنفرادي طبعا، ثم عدم إبقائه زيادة على المدة المسموح بها دون حكم، وهي لا تتعدى ستة أشهر في أقصى الأحوال، وبقرار من اللجنة العليا المختصة في هيئة التحقيق والإدعاء العام، وكل ما ذكر هو بعض حقوق المتهم في النظام الصادر من أعلى جهة في البلد، وهو نظام الإجراءات الجزائية، ولم يصدر حتى الآن أي نظام يخالفه يخول المباحث أو غيرها من الأجهزة تجاوزه.

 

    إن هذا وبوضوح هو مسألة التزام كل جهة لاختصاصها، وعدم التجاوز على باقي أجهزة الدولة وهي أقل صورة يمكن التحدث فيها عن احترام نظام البلد واحترام الاختصاصات، وتفعيل القانون، وليس وراء هذا التجاوز ذرة انضباط.

 

    وأعظم المنكر هنا أن يكون مصدر هذا التجاوز هو الجهة المعنية بتطبيق الدرجة الأولى منه وهي الداخلية، ثم يسمح بهذا التجاوز ويقره الجهة المسلوبة الاختصاص وهي القضاء المعني بتطبيق الدرجة الثانية من النظام، ويسكت على ذلك جهة الرصد والمراقبة، وهي جمعية وهيئة حقوق الإنسان!

 

    هل يمكن أن تكون هذه دعوة للانضباط، وأمل بأن نفخر بسيادة العدل، ورفع الظلم، ونقول "حقا إنه قضاء عادل"!

1833 views
بشاعة الجريمة وحتمية المحاكمة
1.
داعش ومستقبل التكوين السياسي في المنطقة العربية
2.
مصر بين أمسها وغدها
3.
موقع الإعلام ودوره المجتمعي وعلاقته بالمنظومة القضائية
4.
الهـم والمـهـمـــة
5.
بن لادن حياً وميتاً
6.
الفتاوى الدينية اليهودية وأثرها من المنظور القانوني الدولي
7.
قانونيون يطلبون عدم سعودة القضاء
8.
كارثة جدة (ما وراء الحدث).
9.
عواقب التبعية وحصادها المر
10.