الاسم*
الهاتف
البلد
البريد الالكتروني*
رسالتك*
الحقول ذات العلامة * إلزامية
العنوان
جدة, المملكة العربية السعودية
الهاتف
00966 2 651 3321
الفاكس
00966 2 651 0846
البريد الالكتروني
alim@alimlaw.com
 
مـناط الحـرية
١٧، تموز ، ٢٠٠٣
صناعـة الحيـاة

17 جمادى الأولى 1424ﻫ الموافق 17 يوليو 2003م

بسم الله الرحمن الرحيم

الزاوية: صناعـة الحيـاة

الموضوع: مـناط الحـرية

بقلم:  د. باسم عبد الله عالِم

        محامِ ومستشار قانوني

إن للحرية أهمية بالغة في تشكيل المجتمع المدني وتدعيم مؤسساته بل أن للحرية أثراً مباشراً في قياس تماسك المجتمع المدني وقدرته في الحفاظ على كينونته والدفاع عن مكتسباته وحقوقه. ولعل أدبياتنا المعاصرة في عالمينا العربي والإسلامي ذات التوجه المحافظ من جهة والتوجه الليبرالي من جهة أخرى ساهما مساهمة ذات أثر سلبي في تشكيل مفهوم الحرية في العقل العربي والمسلم. فما أن يدعو داعياً بالحرية وينادي بوجوبها حتى تنتفض الأقلام وتعلو الحناجر كل يعمل لتقويض وحصر هذه الحرية التي ينادي بها من ينادي. ومن المضحك المبكي أن نجد أصحاب العقول النيرة الداعية إلى الانفتاح والمطالبة بالمزيد من الحريات تسعى لدى السلطان تؤلبه على أصحاب الفكر المحافظ وتدعوه لقمعه واجتثاثه. فكأن هؤلاء الليبراليون قد أرسوا دعائم الحرية ومنحوها حقاً كصكوك الغفران لكل من تبنى مذهبهم ونشطوا في قمع كل من خالف هواهم.

وليس أصحاب التوجه المحافظ المدعى وصلاً بالحقيقة المطلقة بأفضل حالاً من أكفاءهم في المعسكر الليبرالي. إن دعوتهم للمزيد من الحريات تترجم على أرض الواقع على أنها دعوة لحرية تبني هذا الفكر المحافظ وحده دون غيره. ومكمن الخطر لدى هؤلاء هو ما يحيطون به أنفسهم من قدسية يستلهمونها من احتكارهم للحقيقة المطلقة وكأني بالأمر يعود بالذاكرة إلى كهنوت الكنيسة ومحاكم التفتيش. فكم سعوا إلى إسكات أصوات مخالفة باسم الحفاظ على الدين حتى طال ذلك علماء الدين أنفسهم إذا خالفوهم الرأي.

لعمري إن هذان النموذجان ما هما إلا وجهان لعملة واحدة كلاهما يرفض الآخر وينادي بحصر الحقوق المدنية عليه دون سواه ويستعين بالسلطان لتحقيق مأربه، وكأنهما جهلا قراءة التاريخ حيث ظل السلاطين يقربون فريقاً تارة ويبعدون فريقاً آخر تارة أخرى. ولو أن أحد الفريقين قدر له أن يتسلط لما كان أحسن حالاً ولا أرأف بمخالفيه في الرأي والفكر. إن تاريخنا العربي والإسلامي مليء بالمواقف الأليمة التي واجهها أصحاب الرأي المخالف. فمنذ أن حُمل الناس قسراً على البيعة الوراثية أصبح السيف ناطقاً رسمياً لكل صاحب فكر وتوجه، ولعل أئمة الهدى أصحاب المذاهب الأربعة "رضي الله عنهم وأرضاهم" بالرغم من اعتدالهم وتقبلهم النموذجي للآخر قد عانوا معاناة جسيمة ليس أقلها السجن والتعذيب من قبل سلطان ذلك الزمان وأولئك النفر الذين أحاطوا به ينـزغون فيه نزغ الشيطان لإسكات من خالفهم وحرب من قامت به وله الحجة عليهم. 

إن الحرية بمفهومها الديني الأخلاقي تحتم علينا قبول الآخر وإفساح المجال لإيصال رأيه وإسماع صوته مهما كان الاختلاف معه عميقا أو كبيراً.  وليس أبلغ في ذلك من قبول هذا الدين الحنيف بأهل الكتاب وضمان حريتهم الدينية وحقهم في ممارسة شعائرهم فيما بينهم فقد علمنا الإسلام آداب الحوار ومقتضيات الدعوة وأخلاق الاختلاف. و ضرب لنا القرآن الكريم أمثلة عدة في الحوار وإن كان الله سبحانه وتعالي جل في علاه وتقدس في ملكوته أنزل إلينا في كتابه الكريم ذلك الحوار الخالد الذي دار بينه وبين  عدو البشرية والفضيلة إبليس, فإنه سبحانه وتعالي بذلك يعلمنا بأن الحوار أساس في التوصل إلى فهم الآخر وسبر أغواره واتخاذ الموقف الصحيح بشأنه.

وليست الدعوة للحرية والحوار وقبول الآخر مترادفة ودعاوى الإباحية أو العلمانية، فلكل مجتمع حاكمية يبينها ويشرحها دستور ذلك المجتمع وللمجتمع المسلم حاكمية ربانية تكمن في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة يقوم بتفسيرها وتأويلها أولئك النفر الذين حباهم الله نعمة الرسوخ في العلم.

وإشكالية الحرية القائمة في زماننا هذا تكمن في أمرين:

 الأول: تضييق دائرة الحرية من قبل  كل فكر وتوجه حتى أصبحت لا تتسع إلا لذاك الفكر  ليبقي ما سواه خارج دائرة هذه الحرية.

الثاني: افتقار المجتمعات العربية والإسلامية لآليات  الحوار وقنوات التواصل الفكري ومنابر  الاختلاف، كل ذلك في إطار أدب الحوار والاختلاف. ولعل السبب في ذلك يرجع في المقام الأول إلى غياب الحرية السياسية إذ أن من طبيعة النظم الشمولية أن تنعكس أساليبها تلقائياً علي تصرفات المجتمع ومؤسساته المدنية فيصبح الجميع يُملى على كل فرد منهم ويُملي هو علي غيره.

يجب على الجميع، مهما كان الأمر صعبا على النفس. التي عانت عبر قرون طويلة للخضوع أو الإخضاع، أن يقروا بوجود حد أدنى من العوامل المشتركة تاركين بذلك رحبة أفسح تقف عليها مختلف الآراء والأفكار ويجب تحديد هذا الحد الأدنى من قبل الراسخين في العلم ليبينوا للناس ما هو أصل في الدين لا يقبل المساومة وما سواه من أراء فكرية وتفرعات مذهبية والتي لكل منهم فيها حجته المقبولة ورأيه المعتبر.

كما يجب أن يرتفع سقف الحرية المصانة من قبل السلطان إلى مادون المساس بالثوابت العقائدية للأمة فيسمح لكل من أراد أن يدلو بدلوه ويعلن عن فكره ويبين وجهة نظره ومرتكزات حججه ويترك الحوار معه ومناظرته للمجتمع أفراداً ومؤسسات بعيدا عن تسلط الحاكم وبطشه، وبهذا يخرج كل فكر إلى الضوء فيترعرع ويكبر ما فيه الخير والفائدة وتموت الأفكار الطفيلية التي ينبذها المجتمع ليصبح بذلك  المجتمع من خلال مؤسساته المدنية حامياً للحوار ومقعِّداً لآدابه مستفيداً من الجميع في تطوير ذاته فكرياً وعملياً وليصبح دور السلطان والحاكم في هذا المجال منحصراً على حماية ثغور المجتمع المدني من كل فكر أو رأي يحاول فرض نفسه بالقوة مهما ارتدى من عباءة لليبرالية أو الفضيلة أو الدين.

   والله من وراء القصد

Email:alim@alimlaw.com

نشرت بالعدد (14695) جريدة المدينة  الجمعة 18 جمادى الأولى 1424ﻫ

الموافق 18 يوليو 2003م- صفحة الرأي.

 

 

 

views
بشاعة الجريمة وحتمية المحاكمة
1.
داعش ومستقبل التكوين السياسي في المنطقة العربية
2.
مصر بين أمسها وغدها
3.
موقع الإعلام ودوره المجتمعي وعلاقته بالمنظومة القضائية
4.
الهـم والمـهـمـــة
5.
بن لادن حياً وميتاً
6.
الفتاوى الدينية اليهودية وأثرها من المنظور القانوني الدولي
7.
قانونيون يطلبون عدم سعودة القضاء
8.
كارثة جدة (ما وراء الحدث).
9.
عواقب التبعية وحصادها المر
10.