الاسم*
الهاتف
البلد
البريد الالكتروني*
رسالتك*
الحقول ذات العلامة * إلزامية
العنوان
جدة, المملكة العربية السعودية
الهاتف
00966 2 651 3321
الفاكس
00966 2 651 0846
البريد الالكتروني
alim@alimlaw.com
 
منطلقات القرار السياسي
١٩، نوفمبر ، ٢٠٠١
صناعة الحياة

لقد ظلت الأمة منذ فجر الإسلام تهتدي في طريقها وتبني قراراتها الجسام على أسس وعلى ضوء منارات إرشادية تسير بها إلى بر آمن ولم تتنكب الأمة أو تفقد طاقتها الكامنة إلا عندما تعطلت كل أو بعض هذه المنارات الإرشادية. إن في أحلك اللحظات وأشدها على المسلمين، استطاعت الأمة في خضم البحر اللجي وتلاطم الأمواج وتكالب الأعداء عليها أن تبصر طريقها نحو الخلاص الرباني وأن تستعيد عافيتها وتحافظ على مقوماتها.

ولا شك أن المنطلق الذي يجب أن ينطلق منه الجميع هو منطلق الدين المبني على كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم ومنها استطاع المسلمون بعبقريتهم أن يجعلوا لأنفسهم منارات استرشادية كتلك التي تهتدي بها السفن وهي تجوب أعالي البحار.

أولى هذه المنارات الإرشادية كانت اعتماد الأمة في قرارها السياسي على نظرة شمولية تمتزج فيها المعرفة السياسية بالتأطير الشرعي المستند على عاتق علماء جهابذة جمعوا بين علوم الدين والدنيا، فكانت مجالس السلاطين والخلفاء والأمراء لا تخلو من وجود العلماء المستقلين أو أولئك الذين تقلدوا مناصب مرموقة في الدولة والتي تشرَّف بهم المنصب وعُرف بهم، وعادة ما يتم قبولهم له بعد إلحاح شديد من صاحب السلطة التنفيذية خليفة أو سلطاناً أو أميراً، وبهذا كانت جميع روادف القرار السياسي بادئة من عمال المدن إلى أمراء الأمصار منتهية بسدة الحكم في الخليفة ووزرائه تحمل في طياتها هذا المزيج المبارك الذي افتقدته الأمة ولا تزال تعاني من جراء ذلك الويلات، وكانت جل القرارات السياسية للدولة الخاصة بشئون الداخل وتلك المتعلقة بالعلاقات الخارجية قرارات لها منطلقات شرعية تأخذ في الاعتبار مصلحة الأمة السياسية إضافة إلى حفاظها على مقومات الدين من دعوة وجهاد وولاء وبراء.

كما كانت ثاني هذه المنارات، وهي نظرية الولاء والبراء، في مقدمة أذهان الأمراء والوزراء والعلماء فلم يكن العالم الإسلامي مقسماً دويلات في أذهانهم وإن كان منقسماً في طبيعته الجغرافية وتعدده السياسي، فكان القرار السياسي والرأي الفقهي يأخذ في الاعتبار مصلحة الأمة جمعاء بالرغم من خلافاتها الداخلية فلم يكن للسلطان أن يبرم عهداً مع أي من أعداء الأمة يعرف أنه سيتيح لهذا العدو النيل من أحد أقاليمها أو ثغورها.

ولعل عامل الولاء والبراء ظهر في أبهى صوره في أسوأ لحظات الأمة أثناء حكم ملوك الطوائف بالأندلس وذلك من خلال سيرة الملك المترف صاحب أشبيلية المعتمد بن عبَّاد والذي حذره وزراؤه من استدعائه لملك المغرب يوسف بن تاشفين لمناصرته ضد الفرنجة حيث كان ليوسف بن تاشفين من القوة والغلبة ما يمكنه من إنهاء حكم المعتمد بن عبَّاد والحلول محله فما كان من المعتمد بن عبَّاد صاحب أشبيلية إلا أن أطلق صيحته المشهورة حيث قال: لأن أرعى الغنم عند ابن تاشفين خير لي من أن أرعى الخنازير عند الفرنجة, وضحى ابن عبَّاد بنفسه وملكه وقصوره وترفه وانتهى به الحال في منزل صغير يقطنه بمدينة أغمات بالمغرب إلا أن موقفه العظيم المنبثق من قاعدة الولاء والبراء أنقذ الأندلس من إنهيارها المحتوم آنذاك وأخَّر سقوطها ما يزيد عن مائتي عام بعد أن تدخل يوسف بن تاشفين وهزم الفرنجة في معركة الزلاقة.

كما كانت المنارة الثالثة وهي معايير درء المفاسد وجلب المصالح ومعايير الموازنة بين الأضرار والمنافع تختلف عنها معايير اليوم فقد كانت مصالح الأمة ومنافعها في عصرها الذهبي مرتبطة ارتباطاً مباشراً بصالح الإنسان وقوامة الدين فتحركت الجيوش من أجل إنسان ولم يقل أحد حينها أن المفسدة من قتل آلاف المقاتلين أعظم من مصلحة الانتصار لفرد مسلم بل كانت المصلحة كل المصلحة والمنفعة كل المنفعة أن تنتصر الأمة لفرد، وكانت المفسدة أن تتخاذل الأمة عن نصرة أحد عناصرها مهما كانت المبررات والحسابات المادية فالموت في سبيل الله لفرد عُدَّ في المنافع. لقد كانت المعايير التي يتم بها ضبط ميزان جلب المنفعة ودرء المفسدة معاييراً تأخذ في الاعتبار الحياة الآخرة الغيبية على قدم المساواة بواقع الحياة الملموسة.

ومن هذه المنطلقات نستطيع أن نرى الهوة العظيمة بين منطلقات القرار السياسي في ذاك الزمان ومنطلقاته في زماننا فقد تهمش علماؤنا وأصبح العلماء علماء بفعل قرار سلطاني لأمر محدود وفترة وجيزة وانحسرت نظرة العلماء والأمراء إلى ما تحت حكمهم من إقليم دون غيره من أقاليم المسلمين وأمصارهم فلم يعد يهمهم سوى مصرهم وإقليمهم ويتبع هذه النظرة اهتماماً أضيق عن هذا ينحسر في سلطانهم وقوتهم.

إن نهضة الأمة من كبوتها واستعادة مكانتها وهيبتها ودورها الريادي في هذا الكون يقتضي منها إعادة تقييم منطلقات قرارها السياسي وتوجيه بوصلتها شطر المنارات الإرشادية والعمل بمقتضى ذلك، وإن كانت الحسابات الأولية تظهر ضعفاً ومضرة وغضبة القوى العظمى إلا أن هذه المنارات لم تخذل من سبقونا وتمسكوا بها وعملوا بمقتضاها وموجبها. وكم خذلتنا اليوم غيرها من الأفكار والمنطلقات وألقت بنا في مهاوي الردى. لقد سعينا كثيراً في منطلقات التحالفات مع القوى العظمى والمعاهدات الثنائية والاتفاقيات الاقتصادية والمناورات السياسية وحفاظ كل مصر على مقدراته ومكتسباته على حساب المصر الآخر ولكن دون جدوى فتهاوى الجميع ولم تزدهم الدول العظمى وهذه التحالفات إلا رهقاً ولم يبق لنا بعد استنفاذ جميع المنطلقات والنظريات إلا العودة إلى ما كنا عليه لعل الله ينجينا مما نحن فيه.

 

views
بشاعة الجريمة وحتمية المحاكمة
1.
داعش ومستقبل التكوين السياسي في المنطقة العربية
2.
مصر بين أمسها وغدها
3.
موقع الإعلام ودوره المجتمعي وعلاقته بالمنظومة القضائية
4.
الهـم والمـهـمـــة
5.
بن لادن حياً وميتاً
6.
الفتاوى الدينية اليهودية وأثرها من المنظور القانوني الدولي
7.
قانونيون يطلبون عدم سعودة القضاء
8.
كارثة جدة (ما وراء الحدث).
9.
عواقب التبعية وحصادها المر
10.