الاسم*
الهاتف
البلد
البريد الالكتروني*
رسالتك*
الحقول ذات العلامة * إلزامية
العنوان
جدة, المملكة العربية السعودية
الهاتف
00966 2 651 3321
الفاكس
00966 2 651 0846
البريد الالكتروني
[email protected]
 
مواطن الانكسار ومرافق الانتصار
٢٠، حزيران ، ٢٠٠٢
صناعـة الحيـاة

09 ربيع الآخر 1423ﻫ الموافق 20 يونيو 2002م

بسم الله الرحمن الرحيم

الزاوية: صناعـة الحيـاة

الموضوع: مواطن الانكسار

           ومرافق الانتصار

بقلم:  د. باسم عبد الله عالِم

        محامِ ومستشار قانوني

لقد قدر الله لأمتنا أن تكون أمة ذات تميز أخلاقي وذات مبادئ عليا تسير عليها الأمة وفق منهج رباني قويم. ومهما حاول المرجفون النيل من هذا التميز وهذه المبادئ تواجه محاولاتهم فشلاً ملحوظاً في استقطاب هذه الأمة أو تغيير مسارها. ولعل متلازمة العبودية بين العبد وربه والاستسلام طوعاً لبارئ الأكوان من أهم مقومات الحصانة التي حبا الله بها هذه الأمة وأنقذها من الذوبان في سيل الحضارات الأخرى.

ولا يعني ذلك أن الأمة معصومة من نتائج الضعف كالتبعية بشتى أنواعها والتأثر الظاهر لبعض أفرادها بظاهر أخلاقيات الأمم الأخرى إنما المقصود أن التأثير الخارجي على الأمة وهي في أضعف حالاتها لا يرتقي إلى نقطة التحول التي تفقد فيها الأمة هويتها وتتخلى عن مبادئها الأساسية وإن سرى ذلك على بعض أفرادها.

وبالرغم من هذه النعمة الإلهية وتكفله بحفظ هذا الدين فإنه يجب على الأمة التي أنعم الله عليها بمرافق الانتصار في دينها أن تتبين في الوقت ذاته مواطن الانكسار في نفسها متمثلة في أفرادها.

إن أول موطن من مواطن الانكسار هو التخلي عن الانتماء الديني كالعنصر الأساس والمرجح الحقيقي لانتماء أفراد الأمة ليفتح الباب على مصراعيه للعديد من البدائل التي من شأنها تفكيك أوصال هذه الأمة من خلال تبني البدائل الثانوية كالانتماء العرقي أو الانتماء القبلي أو القومية أو الإقليمية أو الوطنية. ولسنا بحاجة أن نسوق الأدلة ونقيم الحجة على فشل هذه البدائل فشلاً ذريعاً في حال تبنيها كأساس للانتماء إذ أن القرن الأخير من عمر الخلافة العثمانية والذي شهد نمو الانتماء العرقي الطوراني على حساب الانتماء الديني شهد أيضاً وقوع معظم المناطق الإسلامية تحت نير الاستعمار بسبب هذه التفرقة الواضحة بين مختلف الأعراق. وكانت هذه التفرقة سبباً في تنامي الحركات المضادة وعلى رأسها حركة القومية العربية التي نشأت لتقارع الهيمنة التركية وتتحرر من سطوتها بعد أن نُزعت عن تركيا عباءة الانتماء الديني وذلك لصعود نجم القومية التركية وحركة الاتحاد والترقي.

وثاني مواطن الانكسار هو اعتماد النظرة المادية في تقييم القوة والضعف والتي من شأنها أن تورث في النفس مذلة وتبعية يصحبهما إحباطاً واستسلاماً والدخول في دوائر متتابعة يتفاقم فيها الوضع وكأن الفرد المصاب بهذه الحالة يجلد ذاته ويعاقب نفسه بالسماح لنفسه أن تقع فريسة لهذا النمط من التبعية والانكسار.

إن عزة الفرد المسلم تكمن في اعتماده على صلته بالله سبحانه وتعالى واستمداد العون والقوة منه وحده. والمعتمد على الله كمن دبت فيه الحياة ونشوة الوصال وديمومة الانتصار فتنعكس هذه الروح إيجابياً على هيئته وسمته وكلامه وحركاته وسكناته كما أنها تنعكس إيجابياً على مثابرته وعمله وأخذه بالأسباب امتثالاً لأوامر الله لا يقيناً بها أو اعتماداً عليها فالمدد الحقيقي من الله وحده لا شريك له.

وثالث موطن من مواطن الانكسار هو تنامي الحس الشخصي وحاجة الفرد والذاتية وتضخمهما على حساب مصلحة الأمة ككل وحقيقة وجود الإنسان على الأرض. إن تضخم الذات أثر تأثيراً سلبياً على منهجية الفرد المسلم وأهدافه المرحلية وتطلعاته المستقبلية. لقد أصبحت الذات هي محور الاهتمام فتقلص عطاء الفرد وعمله في سبيل أمته ودينه وتبدلت الأولويات وأصبح محور الاهتمام هو انشغال الفرد بنفسه ورفاهيته وأسرته انشغالاً تزايد مع تضخم النظرة إلى الذات. ومع تزايد هذه الحالة وتراجع أولويات الدين والأمة انحدر الفرد إلى درك الركون والخلود إلى الأرض وانحصرت تطلعاته في هذه الحياة الدنيا غير آبه بالأمانة التي حملها ولم يُؤَدِّها فكان كالذين استأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم ليرجعوا من مواقع للرباط متذرعين بأن بيوتهم عورة فتخلوا عن هم الأمة وواجب الدفاع عنها مفضلين عليها الحفاظ على مقدراتهم الشخصية ومكتسباتهم الدنيوية.

إن هذا الدين بشموليته أفسح مجالاً لنمو الإبداع الشخصي والكسب الحلال والغنى المبارك للمثابرين والمجتهدين ولكنه أطَّر ذلك وقيده لكي لا تتفاقم الذات كورم خبيث يستشري في أعضاء الأمة. وهذا ثالث الخلفاء سيدنا عثمان بن عفان ذا النورين يقدم مصلحة الأمة على غناه الشخصي وكسبه الآني باذلاً قافلة تجارته في سبيل الله طلباً للربح الدائم المضاعف عند الله وإنقاذاً لحال الأمة التي عانت ويلات الجفاف والمجاعة وما ذلك إلا ليقينه بالله وإدراكه لحقيقة وجوده ورسالته على هذه الأرض مغلباً ذلك على مصلحته الشخصية. 

إن مواطن الانكسار في أفراد الأمة تكمن في تخلي أفرادها عن مبادئها ومقومات عزتها جاعلين من أنفسهم أدوات تبعية لا تزيدهم إلا رهقا. وينتج عن ذلك ضياع مقدرات هذه الأمة من خلال قنوات تبعثرها بدلاً من أن تصب لصالحها. إن من شأن تجنب مواطن الانكسار كشف الغطاء والغمة عن هذه الأمة واستعادة المبادرة في كل مرفق من مرافق الانتصار ليصبح الفرد عزيزاً بدينه لا بلونه وعرقه ويكون ولاؤه لمن حمل راية الله ورسوله لا لغيرهم من حملة الرايات الأخرى ويكون اعتماده على الله وأن يكون بما عند الله أوثق مما هو عند الناس وأن الحق سبحانه وتعالى هو مانح الانتصار وواهب الحياة ومصرف الأمور ومقدر الأقدار وأن يكون هم هذه الأمة شغله الشاغل والعمل في سبيل الله مقدم على نفسه وذاته وسلامته منكراً لذاته دون إفراط ومقيماً لإنسانيته دون تفريط متمثلاً الوسطية في الأمور حساً والوسطية في المكانة علواً وقيادةً بين الأمم.

 

E-mail: [email protected]

نشرت بالعدد (14302) جريدة المدينة  الجمعة 10 ربيع الآخر 1423ﻫ

الموافق 21 يونيو 2002م - صفحة الرأي.

 

 

views
بشاعة الجريمة وحتمية المحاكمة
1.
داعش ومستقبل التكوين السياسي في المنطقة العربية
2.
مصر بين أمسها وغدها
3.
موقع الإعلام ودوره المجتمعي وعلاقته بالمنظومة القضائية
4.
الهـم والمـهـمـــة
5.
بن لادن حياً وميتاً
6.
الفتاوى الدينية اليهودية وأثرها من المنظور القانوني الدولي
7.
قانونيون يطلبون عدم سعودة القضاء
8.
كارثة جدة (ما وراء الحدث).
9.
عواقب التبعية وحصادها المر
10.