الاسم*
الهاتف
البلد
البريد الالكتروني*
رسالتك*
الحقول ذات العلامة * إلزامية
العنوان
جدة, المملكة العربية السعودية
الهاتف
00966 2 651 3321
الفاكس
00966 2 651 0846
البريد الالكتروني
alim@alimlaw.com
 
موقع الإعلام ودوره المجتمعي وعلاقته بالمنظومة القضائية
١٧، حزيران ، ٢٠١٣
ورقة مقدمة في دورة الإعلام العدلي المقامة بأكاديمية الأمير أحمد بن سلمان للإعلام التطبيقي المقامة في مدينة جدة – في الفترة من ١٧ إلى ١٩ يونيو ٢٠١٣

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبدالله الذي أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وعلى آله الطاهرين وصحابته الغر الميامين وأزواجه أمهاتنا أمهات المؤمنين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

الحمد لله رب العالمين القائل في محكم التنزيل :(هَا أَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً) النساء

أعلم بادئ ذي بدء أن هذا الحديث موجه إلى نخبة مختارة من الإخوة الصحفيين نستهدف من خلاله إلقاء الضوء على بعض العناصر الأساسية التي ينبغي أن تكون جزء من مكون الثقافة العدلية في المجتمع ناهيك عن كونه ضرورة ينبغي للإعلاميين والصحافيين الإلمام بها لتكون لهم الدليل الساطع على ما يمكن القيام به من أعمال وأنشطة صحافية تخدم المجتمع من حيث ارتباطها بعالم القضاء والقانون.

 


أولاً:
وإلى ما تقدم، فإنه ينبغي علينا من خلال هذا الطرح أن نعيد النظر في ثقافة (الممنوع) والخوف من الخطأ والمساءلة، بل ينبغي علينا أيضاً أن نعيد النظر في القواعد المسيطرة والمحددة لقدرة الإعلام على أداء دوره والقيام بواجبه تجاه مجتمعه باعتبار هذا الدور رسالة وأمانة يتحملها، وليست مجرد مهنة رتيبة يقتات الصحفي والإعلامي من نتاجها.
واعتقد جازماً أنه قد آن الأوان للصحفي والإعلامي أن ينفك من النظرة الأبوية والوصاية التي يرزح تحتها، فهو يعاني من سلسلة طويلة من الممنوعات والمهددات التي تبدأ من رئيسه المباشر، ورئيس تحرير كيانه الإعلامي، وتنتهي بأعلى سلطة في الهرم السياسي مروراً بوزارة الإعلام والجهات الرقابية الدينية، بالإضافة إلى الجهات الرقابية الأمنية والسياسية.   ليصبح الإعلامي على وجه التحقيق لا التنظير أسيراً للمخاوف، ويسير في يومه وليلته نحو هدفه من خلال حقول مليئة بالألغام لا يدري متى تنفجر تحت قدميه،  كما لا يدري مسببات انفجارها، حيث تختلف ردود الأفعال باختلاف المتلقي والوضع العام سياسياً وأمنياً.
ولعلي لا أذيع سراً عندما أقول أن الصحافة العربية على وجه العموم، وصحافتنا المحلية على وجه الخصوص، أصبحت في كثير من الأحيان مساراً للتندر والسخرية لتلونها وتقلبها بما يتماهى والإرادة السياسية للدولة، فأمست في نظر الكثيرين بوقاً رخيصاً يردد مواقف الدولة محلياً ودولياً ويتقلب معها بتقلب مواقفها ، فالنقد والمديح ليسا إلا مسارب تفتح وتغلق لتدخل منهما الصحافة أو تمنع عنهما دون حول منها ولا قوة.
وإن كان ما ذكرنا أعلاه هو الإطار العام، إلا أن انعكاسه على مخرجات الصحافة أصبح جلياً للعيان، حيث خلت الصحافة من الكتاب المحللّين الذين يسهمون في تطوير الفكر العام وصياغة الضمير الجمعي للمجتمع وانعكاس هذا الضمير على صفحات الجرائد وشاشات التلفاز،  بل لم تعد صحافتنا قادرة على إنتاج صحافة التحري (investigative journalism).   وكل ذلك أفقد إعلامنا وصحافتنا دورها الريادي في أن تكون بحق صمّام أمانٍ وعينٍ ساهرة وواسطة تعكس مراد المجتمع وتوجهاته بأفراحه وأتراحه.   ولعلنا لا نتجاوز إن قلنا أن هذه الحالة المأساوية التي بلغتها صحافتنا وبلغها إعلامنا، يجب أن يقود حركة التصحيح والتغيير فيها أبناء مهنتها، من خلال رفع سقفها وتجاوز الحدود التي رسمها الخوف السياسي والأمني والخوف على الوظيفة والراتب والنظر إلى المهنة باعتبارها رسالة وأمانة حمّلها المجتمع للإعلامي والصحفي.   كما ينبغي أن يعاد النظر في نظام المؤسسات الصحفية وفتح المجال للترخيص للصحف الأهلية بمختلف توجهاتها وإعادة صياغة النظم الإعلامية لإنهاء الهيمنة غير المباشرة وغير النظامية، بعدما انتهت في السابق الهيمنة المباشرة والنظامية بحمد الله.  على الإخوة الصحفيين والإعلاميين أن يعيدوا النظر في أنفسهم تقييماً ونوعاً إذ أنَ الصحفي الحق هو لسان حال فكر وضمير المجتمع، وصاحب رسالة وعين ساهرة تبصر أفراد المجتمع بما يحيق بهم داخلياً وخارجياً، وما يجب أن يطلع عليه المجتمع من قرارات اقتصادية، وسياسية، وتنظيمات عامة، من أنواع الفساد والتجاوزات ليتمكن المجتمع من تكوين رأيه وتشكيل ضميره واتخاذ قراره.  فالصحافة بحق صوت المجتمع وفكره وضميره.  فأي رسالة عظيمة تلك هي رسالة الصحافة وأي أمانة ثقيلة التي حملتموها، ولا يزال الكثير منكم يتعامل معها باستخفاف وظيفي، يدل على يأس شديد أو انهيار أخلاقي وفكري.
أيها الإخوة يجب أن تستعيدوا دوركم وأن ينقلب الهرم فتصبح جميع السلطات والكيانات منضبطة بضوابطها الشرعية والنظامية خوفاً من رقابة المجتمع، ومحاسبته لها، من خلال صوت المجتمع وعينه وضميره (الإعلام والصحافة وجميع منسوبيها).
وأختم هذا الجزء بالقول أنكم أيها الإخوة ليس لديكم خيار فإما أن تكوِّنوا صحافة حرة وتعملون للمجتمع، أو أن تكونوا ذراعاً  وامتداداً للسلطة التنفيذية، شأنكم شأن وزارة الإعلام تتمحور وظيفتكم في اجترار أخبار وكالات الأنباء وترديد ما يقال لكم دون وعي أو خوف من المحاسبة الضميرية والربانية.
وإنني هنا أتحدث عن الصحافة من حيث رسالتها الأساس  ولا أتحدث عن أبوابها المختلفة التي تتباين فيما بينها بحسب حساسيتها وتأثيرها أو قربها من الرسالة الأم،  إذ لا يمكن أن نساوي الصفحة الأدبية بالصفحة السياسية ولا مواضيع التقصي والتحري بالمواضيع الفنية مثلاً وهكذا.

ثانياً:
أما القضاء الذي أنتمي لمنظومته، فإنه من المهم أن ندرك أنه ظلّ عقوداً من الزمن يعاني من أمراض قد لا يدركها من نشأ فيها، بل وقد يصر على استمرارها. لقد ظل القضاء طيلة عقود من الزمن أشبه بالأندية الخاصة التي لاتقبل في عضويتها إلا شريحة معينة من الناس تنطبق عليهم شروط ومواصفات تضمن قوة هذا النادي وهيمنة واستمرار أعضائه بمكتسباته والشكلية والنوعية.  

إنّ نشأة قضائنا لم تكن نشأة مهنية طبيعية، بل تم تخصيصها ومنحها للجناح الديني المكوِّن للدولة منذ الدولة السعودية الأولى،  ومقتضى ذلك أن إرث القضاء ليس إرثاً مهنياً ورسالة قضائية متجردة، بل هو إرث متحدِّر من مكون فكري وأيدلوجي كان، ولا يزال، هو الجناح الذي يضفي الشرعية على المكوِّن السياسي في الدولة (Credibility) وأصبح القضاء هو مكان التجمع الرئيس والإطار المهني الذي يدخل إليه ويعيش ويستمر من خلاله هذا المكون الفكري الأيدلوجي في الدولة، مكتسباً مشروعية الوجود.  ولعلي أقول أن القضاء ظل لفترة طويلة بمثابة السيف والدرع لحماية هذا المكون الفكري والأيدلوجي الذي أسهم في بناء الدولة السعودية الأولى، ولم يستطع أن يتحرر القضاء، ولا الجناح السياسي في الدولة من هذه القبضة،  كما لم تتمكن السلطة السياسية أن تسهم في إعادة تكوينه بشكل مهني واحترافي، فظل على ما هو عليه يورِّث ذات العقلية والأيدلوجية جيلاً بعد جيل.   بل لقد حارب القضاة كل أنواع التغيير والتنظيم الذي يمكن أن يحد من سلطتهم أو يفرض عليهم أداءً مهنياً مقبولاً يرتقي بالمنظومة القضائية إلي ما هو مقبول محلياً وإقليمياً وعالمياً.
وقد اضطرت الدولة، بمرور الزمن والتوسع والتطور الاجتماعي أن توائم بين إبقاء السلطة القضائية على ما هي عليه تبعاً لرغبة هذه السلطة، فاضطرت أن تنشئ جيوباً قضائية متخصصة لتسيير أعمال المجتمع والاقتصاد والمعاملات الحديثة، بعيداً عن الجمود القضائي شكلاً ونوعاً وتنظيماً. فأنشئت الدولة عبر السنين أكثر من ثلاثين جهة قضائية للاستعاضة بها عما سبق أن وصفناه، فأنشأت:
١- اللجان الجمركية
٢- محكمة الأوراق التجارية
٣- لجنة القضايا الإعـلامية
٤- لجان القضايا العمــالية
٥- لجان القضايا المصرفية
٦- لجان قــضايـا التــأمـين
٧- المحكمة التجارية التي ضُمت فيما بعد إلي ديوان المظالم سابقاً (المحكمة الإدارية حالياً).

وعندما زادت الضغوط وارتفع صوت المجتمع الناقد تزامناً مع مفاوضاتنا لدخول منظمة التجارة العالمية اضطرت الدولة للإعلان عن منظومة قضائية جديدة لم تكن بالمستوي المطلوب ولم ترتق إلى الآمال والتطلعات، إلا أنها كانت خطوة أولى في الاتجاه الصحيح ولكننا، مع الأسف،  وبرغم مرور ما يقرب من عشر سنوات علي صدور الأنظمة العدلية، والتي كان من المقرر أن يتم إدخالها حيز التطبيق في حد أقصاه سنتان هجريتان من تاريخ صدور هذه الأنظمة،  إلا أن المسافة بين واقع الحال والتطبيق الفعلي لهذه الأنظمة لا تزال بعيدة غير قريبة حتى وأن تغيرت المسميات ومثالاً صارخ علي ذلك هو أن نجد محكمة الاستئناف لا تزال تتعامل مع القضايا الواردة إليها بمنهجية التمييز سابقاً، وكأنهم غير معنيين بالنظام العدلي الجديد وتطبيق مضمونه كما جاء.

ومؤدى كل ذلك هو تراجع مستويات الأداء القضائي واستمرار النقد الاجتماعي له سراً وعلناً.   وبدلاً من أن تكون ردة الفعل الطبيعية هي التقييم والمراجعة الشاملة، جاءت ردة الفعل فيها الكثير من الاستياء ورفض التغيير المفروض والتمترس في الخنادق القديمة متدثرين بدثار المكون الأيدلوجي والفكري الموروث منذ إنشاء القضاء الحالي.   وقد انعكس هذا الاستياء في إطار حساسية مفرطة ونظرة عدائية للإعلام والصحافة المحلية والدولية من جهة، ولنظرتهم إلى القضاء الواقف (المحاماة) من جهة أخرى.  لأن هذان العنصران هما الأقدران على توجيه النقد وتفنيد الأخطاء وتبيين مواطن القصور.  فنشأ هذا الصراع الخفي وأصبح الكثير من المحامين توجه لهم تهمة الجهل الشرعي باعتبار معظمهم من القانونيين أو ممن باع ضميره للأعلى سعراً، كما أصبح الكثير من النقد الصحفي (على قلته واستحيائه) يجير إلى كونه انعكاس للفكر الليبرالي العلماني المبغض للشريعة والمجتمع الإسلامي المحافظ.

ولعلي هاهنا أحذر الإعلام والإعلاميين كما أحذر الصحافة والصحفيين أنهم في غياب قدرتهم على التفاعل ومواكبة احتياجات المجتمع وتطلعاته سوف يتم تهميشه خاصة، ونحن نتمتع بثورة وثروة معلوماتية وأنماط جديدة من التفاعل الاجتماعي التي لا تخفى عليكم. فالصحافة الإلكترونية والمواقع الشخصية والبوابات الفكرية، بالإضافة إلي مواقع التواصل الاجتماعي لم تصبح واقعاً فحسب بل هي أخذة في احتلال مواقع الريادة والصدارة.   ويكفينا هنا القول أن موقع مثل تويتر تعتبر نسبة التداول والتواصل من خلاله بين المواطنين في الدولة من أعلى النسب في العالم، إن لم تكن الأولى، من حيث التداول والنمو،  مما يدل على الفقر والهامشية والقوة الطاردة للصحافة والإعلام المحلي، ومن ثم الاستعاضة عنه ببدائل  ذكية وأكثر فاعلية.   وفي حال تطور الإعلام الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي بآليات تمكنه من إبراز الغلبة الفكرية والإرادة الجمعية للمجتمع، فإنها ستأذن بانتهاء صحافتنا وإعلامنا ما لم يتم تحريره من جهة، وتحرر منسوبيه، أي تحرركم أيها الإعلاميون والصحفيون من أسر الخوف الوظيفي والأمني والسياسي الذي أشرنا إليه.
 
ثالثاً:
إننا إذا انطلقنا مما سبق وقعدناه، لوجدنا أن ثمة توتر يشوب العلاقة بين السلطة القضائية، وما تعارف على تسميتها مجازاً السلطة الرابعة، والتي تعتبر الرقيب المجتمعي على السلطات الثلاث (الإعلام والصحافة). والأصل في الأمور كلها ذات الطابع العام هي العلانية وبمجرد لجوء الفرد للمجتمع ومؤسساته يكون بذلك قد قبل ضمنياً أن يعلم المجتمع بمسألته وحاجاته. فالمواطن الذي يقدم طلباً لقرض عقاري أو ترخيص بناء وذلك الذي يتقدم بدعوى في المحكمة أو شكوى إدارية يعتبر أنه قد وافق ضمنياً على إطلاع المجتمع وتفاعل هذا المجتمع معه سلباً أو إيجاباً ولا يستثنى من ذلك إلا أصحاب العلاقة الثنائية المباشرة كعلاقة الطبيب بمريضه، والمحامي بموكله، والعلاقات الزوجية، والمتعاقدان على أمر اتفقا فيه على السرية، ومع ذلك فإن هذه الضمانات بالسرية لا تتعدى إلى الآخرين.  فإن بلغ صحفي أو إعلامي خبر متعلق بصحة وزير أو مسئول في الدولة من شأنه أن يؤثر،  فلا يعتبر هذا الخبر سراً ولا يعتبر الصحفي ملزماً بضمان سرية الخبر وتقع مسئولية المحافظة عليه على الطبيب وتابعيه والمريض وتابعيه. وينطبق ذات المثال على المحامي وتابعيه وموكله وتابعيه فيما يتعلق بالقضايا والمنازعات ولا يتعدى ذلك إلى غيرهم من أفراد المجتمع وهكذا تتوالى الأمثلة وليس هاهنا المقام للتفصيل ولكننا أوردنا ما سبق باعتباره أمثلة عامه.
وبناءاً على ما تقدم فإن الموكل إن أفشى السر أو لجأ إلى الصحافة كان ذلك حق من حقوقه، وكذلك شأن المحامي الذي يطلب إليه موكله أن يلجأ إلى الصحافة فيكون بذلك المحامي قد رُخص له باللجوء إلى الصحافة وإفشاء جزء أو كل مما يدور في القضية بحسب ما سمح به الموكل وهذا المثل ينطبق على الطبيب.   والأصل في جميع هذه الأمثلة أن يستثنى من السرية فيها ما يمكن لضرره أن يتعدى إلى الغير على أن يكون ذلك في أضيق الحدود فيمكن للطبيب أن يبلغ الجهة المسئولة عن تفشي مرض معدي من خلال مريضه أو للطبيب النفساني أن يبلغ عن عزم مريضه بارتكاب جريمة والجوهر في هذه المسألة هو غلبة الظن والاحتمالية العالية له باعتبار التعدي والضرر المستقبلي ولكن لا يجوز للطبيب أن يفشي سر أضرار قد تم وقوعها وحصل المحظور منها بأثر رجعي.
أما في حال المحامي والمستشار القانوني فينطبق عليه ما ينطبق على الطبيب إلا أن البعض  يخلط بين ما ذكرناه وما ورد في نظام المحاماة من جهة وما ورد في نظام المرافعات الشرعية والإجراءات الجزائية من جهة أخرى. إذا أن مضمون ونصوص نظام المحاماة و تفسيراته جاءت لتؤكد سرية المعلومة من حيث هي حق من حقوق الموكل و ليست كما يظن البعض أنها من حقوق القضاء أو التزامات مهنة المحاماة بل جاءت اللائحة التنفيذية المفسرة للنظام لتؤكد أن ما يدور في الجلسات  ومحاضر الضبط لا يعد إفشائه من نواقض هذه السرية، إذ أنها قد خرجت من إطار طرفي الاتفاق إلى إطار أخر متعلق بالخصوم مما يتعذر معة أي سرية.
أما نظام المرافعات الشرعية ونظام الإجراءات الجزائية مضى و بشكل واضح على أن الأصل هو علانية الجلسات ولاشك أن نص النظام  أشار إلى وجود إمكانية استثناء لهذه العلانية مما سمح لبعض القضاة التمادي في تفسير هذا الحق بالاستثناء خاصة مع عدم وجود لائحة تنفيذية لنظام الإجراءات الجزائية. وبالرغم من مرور سنوات عديدة على صدوره.   و لعلي هاهنا أذكر في هذا الأمر، أن نصوص النظام أناطت بوزير العدل إصدار اللائحة التنفيذية والتفسيرية وحيث أن صاحب الصلاحية لم يقم بإصدار هذه اللائحة حتى تاريخنا هذا، فيمكننا أن نتعامل مع المسألة من جهتين :
أولاً:    تضييق التفسير لصالح الطرف الأضعف ألا و هو المتهم الذي يحاكم جنائياً.
ثانياً: اعتبار كل ما يصدر عن وزير العدل بصفته وزيراً، تفسيراً كلياً أو جزئياً للنظام بحسب منطوق التصريح الصادر عن الوزير .
و أشير هاهنا إلى أن وزير العدل قد صرح في عدة مناسبات بما نصه:
أن الأصل في جميع المحاكمات هو العلانية وأن المراد بالاستثناء هو أمر مقتصر على القضايا الزوجية فقط بل وأردف أن نظام الإجراءات الجزائية والعلانية تسري على المحاكم الجزائية التخصصية (ما تعارف على تسميتها بالمحاكم الأمنية) ويعد هذا التصريح في حد ذاته تفسيراً لا يقبل اللبس لحدود العلانية وصلاحية القاضي في السرية إلا أننا كما ذكرنا، نعاني حتى يومنا هذا من منع الجمهور من حضور الجلسات في جميع المحاكم.
أما القاضي وأتباعه فشأنه في السرية مقيد بأكثر مما قيد به المحامي. حيث تكونت علاقة ثنائية مباشرة بين القاضي ومن يستمع إليه من الخصوم والشهود فلا يمكنه تجاوز الأصل في العلاقة من الحفاظ على السرية إلى العلانية.  إضافة إلى ذلك تعتبر أي تصريحات من القاضي وأتباعه مؤثرة في سير العدالة حيث يستطيع كل طرف أن يستشف من تصريحات القاضي توجهه ومواقفه حيال القضية، مما قد يتيح المجال أحد الطرفين أو كليهما أن يغير من إستراتيجيته تساهلاً أو تعنتاً من جهة وتلاعباً في المعلومات المقدمة من جهة أخرى بما يؤثر تأثيراً سلبياً على حقوق الآخرين (ونرى هاهنا أن التعدي على حقوق أي من طرفي النزاع يُعد خرقاً للعلاقة الثنائية والثقة بالقاضي والقضاء).
ختاماً:
أرفق فيما يلي بعض المختصرات المرجعية للإطلاع، راجياً من الله أن أكون قد بلغت الرسالة باختصار دون إسهاب وأن تعم الفائدة.
اللهم إن أصبت فلك الفضل والحمد والثناء العطر، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان فأغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

وصلي الله وسلم على نبينا وقدوتنا سيدنا محمد بن   عبدالله.

شاكراً ومقدراً تحملكم وحسن استماعكم.


بعض المختصرات المرجعية

أولاً: نظام المحاماة الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/38 وتاريخ 28/07/1422هـ، ولائحته التنفيذية
الباب الثاني: واجبات المحامين وحقوقهم(إفشاء الأسرار)
  المادة الثالثة والعشرون:
لا يجوز للمحامي أن يفشي سراً أؤتمن عليه أو عرفه عن طريق مهنته ولو بعد انتهاء وكالته، ما لم يخالف ذلك مقتضى شرعياً، كما لا يجوز له بدون سبب مشروع أن يتخلى عما وكل عليه قبل انتهاء الدعوى.
23/1 يعد من إفشاء السر الممنوع في هذه المادة ما يلي:-
أ - التبليغ بمعلومات، أو نشر مستندات، أو وثائق، أو رسائل، في القضايا الجنائية.
ب – نشر المعلومات، والوثائق، والأحكام، مما له صفة السرية في الصحف، ونحوها.
23/2 لا يعد من إفشاء السر ما يلي:
أ - الشهادة على موكله، أو مستشيره.
ب – الإدلاء بالوقائع والمعلومات بقصد الدفاع عن مصالح موكله إذا طلبه منه، أو أذن له في ذلك، أو اقتضاه الترافع.
جـ - إذا كان يترتب على الإفشاء منع وقوع جناية، كان قد ذكرها له موكله، أو مستشيره.
د - إذا استفسرت منه الجهات عن معلومات، ووقائع معينة.
هـ - إذا كان السر يتعلق بنزاع بين المحامي وموكله، وكان الإفشاء ضروريا لإنهاء هذا النزاع.
23/3 يقصد بانتهاء الدعوى في هذه المادة صدور حكم مكتسب للقطعية في القضية أياًّ كان نوعها، ما لم يتفقا على خلاف ذلك .
23/4 يرجع في تحديد السبب الوارد في هذه المادة بكونه مشروعا، أو غير مشروع إلى المحكمة المختصة بنظر تلك الدعوى.
23/5 على المحامي إذا تخلى عما وكل عليه قبل انتهاء القضية لسبب مشروع أن يبلغ موكله بخطاب مسجل مصحوب بعلم الوصول أو يبلغ الجهة ناظرة القضية بطلب يقدم منه لها، ويتم قيده لديها.
23/6 على المحامي إذا تخلى عما وكل فيه قبل انتهاء الدعوى أن يرد لموكله سند التوكيل، والمستندات، والأوراق الأصلية، ومسودات الأوراق، والمراسلات المتعلقة بالدعوى.
المادة الرابعة والعشرون:
لا تسمع دعوى الموكل في مطالبة محاميه بالأوراق والمستندات المودعة لديه بعد مضي خمس سنوات من تاريخ انتهاء مهمته، إلا إذا طلبها الموكل قبل مضي هذه المدة بكتاب مسجل مصحوب بعلم الوصول، فيبدأ احتساب هذه المدة من تاريخ تسلم هذا الكتاب.
24/1 يقصد بتاريخ انتهاء مهمة المحامي الواردة في هذه المادة: انقضاء التوكيل المذكور في البند رقــم (22/1).
24/2 المدة الواردة في هذه المادة خاصة بالدعوى في المستندات، والأوراق الأصلية، فلا تشمل الدعوى في أصل سند التوكيل، أو صور المحررات، أو صور مسودات الأوراق.

ثانياً: نظام المرافعات الشرعية و نظام الإجراءات الجزائية
(العلانية)
المادة الحادية والستون من نظام المرافعات الشرعية:
" تكون المرافعة علانية إلا إذا رأى القاضي من تلقاء نفسه أو بناءً على طلب أحد الخصوم إجراءها سراً محافظة على النظام، أو مراعاة للآداب العامة، أو لحرمة الاسرة".
المادة الخامسة والخمسون بعد المائة من نظام الإجراءات الجزائية:
"جلسات المحاكِم علنية، ويجوز للمحكمة – استثناءً – أن تنظُر الدعوى كُلِها أو بعضِها بجلسات سرية، أو تمنع فئات مُعينة من الحضور، مُراعاة للأمن أو مُحافظة على الآداب العامة أو إذا كان ذلك ضرورياً لظهور الحقيقة".
مفاد نص المادتين المذكورتين أن الأصل في الجلسات علانيتها، وأن سريتها هو الإستثناء إن كان لذلك مقتضى وحددت هذا المقتضى في ثلاث:-
•    مراعاة للأمن.
•    المحافظة على الآداب العامة.
•    إن كان في السرية ضرورة لاظهار الحقيقة.
وفي تراثنا الفقهي أصلٌ لهذه العلنية حيث كان القضاة يقومون بأعمالهم القضائية في أماكن مفتوحة كالمساجد، واستقر الفقهاء على أن "من المستحبات للقاضي أن يحضر مجلسه جمعٌ من الفقهاء ومن العامة".
 ومن المستقر عليه قضاءاً ونظاماً أن الخروج على مبدأ العلانية إستثناء لا يقاس عليه ولا يجب التوسع فيه، لأن غايته تحقيق مصلحة أولى بالرعاية؛
 فمبدأ العلانية تكمن أهميته فيما يوفره من ضمانة للمتهم وللرأي العام حول شفافية المحاكمة التي تجري ونزاهـة القضـاء وموضوعيـته، كما يكفل للمواطنين الإطمئنان إلى حسن سير العدالة، خلافاً لما يظنه البعض من أن العلنية تعني الرقابة على العمل القضائي، فحقيقة وجوهر العلانية أنها تفضي إلى احترام القضاء والثقة بنزاهته.
ثالثاً: تصريحات المسئولين بشأن إرساء وترسيخ مبدأ علانية الجلسات
الإقتصادية 27/04/2012م.
أكد الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، وزير العدل، أن ''علانية الجلسات'' من أهم ضمانات العدالة في المملكة، وهو ما يسمى ''شفافية المرافعات القضائية''، حيث يستطيع أي شخص سعودي أو غير سعودي، وكذلك وسائل الإعلام المختلفة الداخلية أو الخارجية حضور أي مرافعة قضائية، إلا في القضايا التي تتطلب الخصوصية أن تكون مغلقة، وهي لا تكون عادة إلا في القضايا الزوجية''، مؤكداً أن محاكم المملكة مفتوحة للجميع، بما في ذلك القضايا الجنائية، ولا سيما قضايا الإرهاب، وفق قانون النشر، حتى لا يؤثر في حسن سير العدالة ولا يكون أداة ضاغطة عليها.
وقال: ''لدينا معايير متوازنة لتنظيم علانية الجلسات واحترام القانون في النشر الإعلامي''.
تصريحات معالي وزير العدل بملتقى تسبيب الأحكام القضائية الذي عقد بمدينة جدة
"وأكد العيسى أن القضايا الجنائية ولاسيما قضايا الإرهاب وأمن الدولة وقائعها مشمولة بنصوص الشريعة وقواعد قضائية استقر عليها العمل، مضيفا «يحسن أن يكون النفس بالتسبيب في هذه القضايا؛ لأن لهذا فوائد كبيرة على الحكم والقاضي والمؤسسة القضائية، فإن رأى القاضي أن التسبيب قد يكون له ما يبرره اجتزاء في مادة من المواد فإنه في هذه القضايا لا ترى إلا وفق تسبيبها الكامل غير المنقوص وزاد «يتأكد التسبيب فيها أكثر من غيرها لاسيما في هذه القضايا، ونحن مطمئنون إلى أن كفاءاتنا القضائية التي تعمل في هذه المحاكم قادرة على النهوض بهذا الأمر سواء في القضاء الابتدائي أو الاستئنافي".
وشدد العيسى على أن التسبيب حق للرأي العام للداخل والخارج كما هو حق للقضية والخصوم، «من حق الرأي العام أن يطلع على الأسباب لاسيما أن من حقه أن يحضر المرافعة وأن تكون علنية فلا يصادر ولا يمنع من اطلاعه على مجريات القضية وأسبابها».
وشدد على أنه «لا بد من توضيح الأسباب ليثبت القاضي أن مستندا حكمه ووجه الحكم أوضح من محيا النهار، فهو يعكس كفاءته وحياده وقوة المؤسسة القضائية وقدرة حملة الشريعة على اضطلاعهم بمسؤوليتهم وكذلك قدرة الشريعة في استيعاب النوازل والمستجدات»، وقال «متى كان الحكم الشرعي على هذا الهدي كان محفزا للأخذ والنهل منه وكان داعية خير لتطبيق أحكام الشريعة وأضاف «الحكم القضائي لا بد أن يكون منسجما مع وقائعه ومنطوقه ولا يكون هناك اضطراب بين هذه المنظومة ولا بد أن يتضمن تسبيب الحكم في ديباجته بخاصية التكييف والتوصيف الصحيح للدعوى، ويحسن كذلك أن يبين انعقاد اختصاصه الولائي والمكاني بالنص النظامي لنظر قضيته المنظورة بين يديه وأن يستعرض في الأسباب الوقائع كاملة وما جرى فيها من حجج وبينات ودفع ودفاع ويناقش ولا يترك مهمة من المهمات التي تؤثر في القضية دون أن يناقشها ويأتي عليها فإن اختل شيء من هذا بقي الحكم معيبا عيبا جزئيا».
.(منشور بجريدة عكاظ العدد 3633بتاريخ الأحد26 /04/1432هـ الموافق  29/ 05 /2011م)


تم بحمد الله وتوفيقه.

views
بشاعة الجريمة وحتمية المحاكمة
1.
داعش ومستقبل التكوين السياسي في المنطقة العربية
2.
مصر بين أمسها وغدها
3.
موقع الإعلام ودوره المجتمعي وعلاقته بالمنظومة القضائية
4.
الهـم والمـهـمـــة
5.
بن لادن حياً وميتاً
6.
الفتاوى الدينية اليهودية وأثرها من المنظور القانوني الدولي
7.
قانونيون يطلبون عدم سعودة القضاء
8.
كارثة جدة (ما وراء الحدث).
9.
عواقب التبعية وحصادها المر
10.