الاسم*
الهاتف
البلد
البريد الالكتروني*
رسالتك*
الحقول ذات العلامة * إلزامية
العنوان
جدة, المملكة العربية السعودية
الهاتف
00966 2 651 3321
الفاكس
00966 2 651 0846
البريد الالكتروني
alim@alimlaw.com
 
داعش ومستقبل التكوين السياسي في المنطقة العربية
١٥، مارس ، ٢٠١٥

عندما فر نابليون من سجنه كتبت صحف باريس:

(فرار “السفاح” )

ثم لما أقترب من فرنسا كتبت:

(“المجرم” يقترب من البلاد)

ثم لما أقترب من باريس كتبت:

(“الدكتاتور” لم يعد بعيدا)

ثم لما دخل باريس كتبت:

(“الإمبراطور” يدخل باريس) !!!!!


بهذه العبارات أو الأحجية، نختصر الكثير من المشهد العربي حولنا.  المحركات الدولية تعيث في الأرض فساداً وعناصر المجتمع تتقلب عليها التصنيفات طوعا أو قسراً بين مراتب المجتمع من المجرم السفاح إلى أن تصبح دكتاوتوراً أو إمبراطوراً بحسب مقتضيات المشهد الحزين.


وليس في العالم العربي قوى كثيرة فاعلة على الساحة السياسية خارج المنظومات الوظيفية ومن يدور في فلكها.  وكلما أستقلت قوة بتوجه حر أو شبه حر تم وأدها بعد حصارها إعلامياً و تشويه صورتها في الذهن والوعي الجمعي للمجتمع.

،كأننا بفرعون يقول (ذروني أقتل موسى).  فرعون لم يكن يمنعه أحد من قتل موسى وقتها، إنما قوله ذروني، تفيد رغبته في أن تحرك آلته الإعلامية لتمهد للجريمة المرتقبة ضد نبي الله و زمرته م المؤمنين ليتقبلها الضمير والعقل الجمعي في المجتمع.  ولعل لسان حال الأنظمة الوظيفية مع إعلامها يقول ذروني أقتل كل من تسول له نفسه الإستقلال برأيه عن الطريق المرسومة له سلفاً.

أما أحجية نابليون فتستخدمها القوى المحركة دولياً (أمريكا وأوروبا) لتتدارك بها ومعها ما يفرض عليها من فلتات خرجت عن سيطرتها.

فطالبان الإرهابية في أول الأمر (بحسب تصنيغهم)، باتت جزء من القوى الوطنية الأفغانية الفاعلة.  وجبهة النصرة في سوريا ما لبثت أن فرضت نفسها على الساحة لتتحول من “القاعدة” إلى “تنظيم إهابي” ثم “قوة من قوى الإسلام المتطرف” في سوريا وأخيراً “فصيل من فصائل المعارضة”.


واليوم ننظر إلى “داعش” فنشهد تسابقاً محموماً لتنميط هذه الظاهرة سياسياً ودينياً مما يستوقف كل ذي عقل ليتسائل بسؤال ملح جاد وصارخ حول ماهية هذه الظاهرة المسماة (داعش) بعيداً عن التواطؤ الدولي وعبارة (ذروني أقتل موسى). وتستصحب من (أحجية نابليون) معضلة ومحاذير التعامل والحكم من خلال التنميط السياسي التقليدي في ظل واقع ومتغير جديد يفرض نفسه ويتشكل خارج الإطار التقليدي للوعي السياسي والاجتماعي الإنساني المعاصر.


التنميط التقليدي غير مجد في وصف داعش، فمن غير الممكن أن نصف داعش بالحركة أو التنظيم فقط، في ظل سيطرتها الفعلية عسكرياً وإدارياً على مساحة تمتد من الرقة إلى الموصل تفوق مساحة المملكة المتحدة بمقدرات إقتصادية تفوق مقدرات عدة دول عربية مجتمعة.  كما يصعب أن نصفها بالدولة (بحسب المفهوم التقليدي)  لفقدانها للإعتراف الدولي من جهة ولوجودها على أراض عابرة للحدود تعتبر في القانون الدولي تابعة لدول أخرى مستقرة الحدود.  وهنا، يجب أن نؤكد أن وجودها وظهورها في الإدارة اليومية لحياة المجتمعات الخاضعة لسيطرتها في شكل إدارة الدولة لمقدراتها يجعلها أكثر من تنظيم، و إستمرار تمسكها بحرب العصابات و الإعتماد على القوى المتطوعة لا يصنفها كدولة بحسب التصنيف الدولي الحديث.


لقد نجح تنظيم الدولة “داعش” بدهاء منقطع النظير في الجمع بين جدلية  الإبقاء على ديناميكية الحركة الفكرية

في الصراع العسكري وحرب العصابات والعمليات النوعية وأسلوب والكر والفر في الهجوم حيث لا سيطرة لها ولا تمكن دائم، من جهة.  وشكل الحرب المنظمة في وضع الدفاع عن المدن الخاضعة لمناطق سيطرتها والتي تديرها من خلال الاعتماد اليومي على آليات تنظيم كيان الدولة التقليدية.


ويبقى السؤال من هم ؟  وماذا بعد ؟

إن المتتبع، لتاريخ نشأت “داعش” يدرك أنها كانت فصيل أكثر تطرفاً وعنفاً وأقل مرونة من الفصيل الأم “القاعدة” وكان لها دور سلبي في الصراع المحموم الدائر في الشام، حيث تم إختراقها وتوظيفها لضرب القوى الإسلامية الفاعلة في معركة تحرير الشام من الأقلية العلوية المسيطرة المدعومة من (إيران) راعية القوى الشيعية في العالم.  إلا أن المراقب من بعيد يدرك أن ثمة تحول نوعي حدث للتنظيم في العام ٢٠١٣ عندما شهدنا مصرع العديد من قياداته بشكل متتابع وظهور أسماء جديدة على الساحة لتستلب قيادة الدفة ولتقود التنظيم بعيداً عن مراد القوى التي أخترقت التنظيم و حددت مساره أول الأمر.


ودون الخوض في (من هم) قيادات داعش الجدد تحديداً، لا بد أن ندرك أن القوى الوحيدة القادرة على تحديد عناصر الإستخبارات الإيرانية والسورية العلوية المتغلغلة في تنظيم داعش ماقبل ٢٠١٣ ومن ثم قنصهم والإطاحة بهم لايمكن أن تكون إلا قوى مناوئة ذات عداء تاريخي ورقابة إستخباراتية حثيثة لإيران وسوريا إمتدت عبر عقود من الزمان.  وهذه الصفات لا نجدها إلا في قوى الجيش العراقي المنحل على وجه العموم وفي الإستخبارات العراقية العامة أيام حكم البعث على وجه الخصوص ويرجح أنهم من قاد عملية إستعادة السيطرة على المفاصل القيادية في تنظيم “داعش” وإعادة توجيهها قد إتضح تأثيرهم جلياً وأنعكس على إستراتيجاتهم القتالية في عملية الإستيلاء على الموصل وفي ما تلاها من تكتيكات وممارسات قتالية .  والجدير بالذكر أن غابليتهم لا يزال منضو تحت مسميات عدة يعمل من خلالها، منها حزب البعث، والمجلس العسكري والطرق الصوفية الجهادية النقشبندية ، والقبائل السنية.  كما يجب إلا نستبعد وقوع مايحدث موقعاً طيباً متوافقاً لمراد ورغبة قوى إقليمية متاخمة مثل تركيا فتغض الطرف عن “داعش” أحياناً وتمكن لها علـي حذر في أحيانا أخرى.


لقد تضافرت الأقدار لتجعل من إبقاء “داعش” (إن صح وصف الإبقاء) على الساحة في الفترة الحالية أمراً مقبولاً على مضض من قبل قوى إقليمية لاتستطيع خوض صراع مباشر ولا مواجهة عقائدية مفتوحة مع إيران نظراً لحساسية وضعها الداخلي والدولي، كما يخدم هذه القوى الإقليمية المتعاطفة مع القوى والجماعات الإسلامية المعتدلة، في الدفع بإعادة قبول أمريكا وأوروبا للإسلام السياسي السني المعتدل على الساحة الإقليمية والدولية بإعتباره البديل الأوحد القادر على وقف تمدد “داعش” أو التقليل من حظوتها بين القوى الشبابية النافرة عن التقليد الكافرة بالمبادئ الغربية التي وأدت كل إرادة ديمقراطية حرية حملها الصندوق الإنتخابي للواجهة لتجد في عنف “داعش” مخرجاً وإنتقاماً من الحالة السياسية العربية والإسلامية الراهنة وكل من تسبب فيها.


ولهذا وجب أن نفرق بين داعش ما قبل ٢٠١٤ و داعش ما بعد ٢٠١٤.  فاليوم، داعش بدأت تتموضع مستغلة التنافر الإقليمي لتعزز من وجودها وتدفع بسرعة محمومة نحو فرض كيانها كأمر واقع و لاعب إقليمي على الساحة.   ولكن ما يراد وما يمكن الإفادة منه في ظل وجود “داعش” حالياً ليس بالضرورة هو ما تريده داعش أو ما تعمل لأجله، والتقاء مصلحة “داعش” مع مصالح الدول الإقليمية في غض الطرف عنها ليس بالضرورة يعني إستمرار إلتقاء هذه المصالح.  كما أن “داعش” ذاتها لا تزال تعاني داخلياً من تعدد المشارب والمكونات الفكرية والرؤى السياسية مما يحتم وقوع صراع داخلي مستقبلي يقدح زناده إستقراراها وإلتفاتها إلى ترسيخ بنيانها أو دخولها في صراع مع قوى إسلامية ذات مكون ومشرب فكري مختلف لايقل عنها قوة وإصراراً.


وسواء بقت داعش أو رحلت عن الساحة أو بدلت ثوبها الحالي، فإن مما لا شك فيه أنها خلفت للأمة ميراثاً سياسياً عبقرياً وهائلاً من حيث تدري ولا تدري.  وقد تثير مقولتي هذه إمتعاض الكثيرين، ولكن التحليل المنطقي يجب أن يأخذ في الحسبان تمكن “داعش” من تجسيد وتطبيق فكر القاعدة عملياً على أرض الواقع، حيث أستطاعت ولأول مرة، الإطاحة بوهم الحدود الوطنية الجغرافية التي خطتها معاهدة سايسك بيكو، محررة نفسها ومن خلفها العقل العربي والسني من ربقتها بفرض نموذج يجعل من الممكن والمقبول بين مقومات المجتمع العربي السني، إستعادة حلم الأمة الواحدة والدولة العربية المسلمة السنية الكبرى دون النظر إلى صلاح “داعش” من فسادها حالياً.  وعزز من ذلك فشل التحالف في إنهاء “داعش” بإعتراف قادة التحالف الغربي أنفسهم.


إن ميراث داعش، العابر للحدود، أنهى هيمنة الدولة القطرية وعزز من قيم التحالف العقائدي.  وقد أسهمت إيران من خلال حربها العقائدية المشؤمة في كل من الشام والعراق واليمن في تعزيز قيم التحالف العقائدي وهو ما يعني أنها (إيران) من حيث تدري ولا تدري قد لفت حبل المشنقة حول رقبتها كشفت عن طويتها ومآربها أمام المارد السني الآخذ في الإنتباه. ولكن لهذا الأمر حديث آخر.  


أما مستقبل “داعش” فمنوط بشكل مباشر والتطور الحادث على الساحتين السورية والعراقية، وأي العاصمتين تقع قبل أختها في يد الثوار السنة من داعش أو من غيرهم.  والمتابع الدؤوب يقدر أن دمشق هي المرشحة لتكون أول العاصمتين تحرراً و على أيدي الثوار مما يعني تكافؤ فرص الثوار ممثلين في كبريات فصائلهم بالإضافة إلى “داعش” لإحكام السيطرة أو الظفر النهائي بالسلطة المطلقة.  ويرجح أن يسبق ذلك تحالفات سريعة و ظهور فصيلين أو ثلاثة فصائل متضادة، تدخل في تفاهم أو تخوض فيما بينها معركة وجود للإقصاء أو الإخضاع أو الترويض.   وهنا يجب أن ندرك أن مكانة داعش في الشام شابتها الكثير من شوائب مخلفات ما قبل (داعش ٢٠١٤)، مما يجعلها أقل قبولاً في الشام منها في العراق.   وهو ذات السبب المرجح لكفة تحالف القوى الإسلامية الأخرى في حال خوض حرب بقاء ضد “داعش” وهي الحرب التي ستستدعيها “داعش” دون غيرها إن أصرت على الإقصاء.  ولابد من التنبيه أن موقف “داعش” بإعتبارها (دولة خلافة) كما تزعم، يجعل من الصعوبة عليها بمكان أن تتنازل طوعاً عن مفهوم الخلافة والسيطرة الجامعة لصالح تحالف إقليمي محلي.  أي أن صراعلا عسكرياً بينها وباقي الفصائل المتحالفة أمر مرجح، مالم تتدخل المفاصل التي تدير دفة “داعش” من رجال الإستخبارات العراقية وضباط جيشها السابقون بالتعاون مع دول إقليمية مؤثرة بإعادة تحويل مسار داعش أو التخلي عنها عسكرياً، علماً أنهم المكون الرئيس الفاعل لها.


وبرغم الرفض والتجييش الدولي العارم ضد التنظيمات الإسلامية المسلحة بما فيها “داعش” بإعتبارها أيقونة التخلف والبربرية والتوحش في النظر الغربي، فإن الحقيقة والواقع يؤكدان أن من يسيطر على العاصمة سيفرض تعاملا واعترافا دوليا بالواقع الجديد بإعتباره شر لابد منه وسيتحول السفاح المزعوم إلى مجرم ثم إلى دكتاتور بحسب حاجة الغرب إليه وإضطراره للتعامل معه.


وقدرة الغرب في التمحور والتموضع فائقة وجلية، كما أسلفنا.  والجماعات الإسلامية لن تنبري لمواجهة الغرب وستتركه ما تركها.  ولكن هذا الجماعات بوصفها الحالي أو بتحولها إلى شكل الدولة، لن تغفل عن القوى الإقليمية والمحلية التي تحالفت مع الغرب ضدها و تسببت في إراقة الدماء وتأخير التمكين.  وبمجرد إلتفات الغرب عنها أو القبول بها كأمر واقع سيمهد لها الطريق لتصفية الحسابات القديمة أو تحقيق الطموحات العقائدية.  وعندها سيتحول الدكتاتور إلى إمبراطور تفد إليه رسل الدول الكبرى برسائل السلام والتعايش، ويبدأ نجم الدولة السنية الإقليمية الكبرى دولة صلاح الدين بمفهومها العقدي والجغرافي (بكل أبعادها) في الصعود وفرض ذاتها و طموحاتها على الساحة العالمية.


 

باسم عالِم

نشر في الجزيرة
http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2015/3/13/داعش-ومستقبل-التكوين-السياسي-بالمنطقة-العربية
views
بشاعة الجريمة وحتمية المحاكمة
1.
داعش ومستقبل التكوين السياسي في المنطقة العربية
2.
مصر بين أمسها وغدها
3.
موقع الإعلام ودوره المجتمعي وعلاقته بالمنظومة القضائية
4.
الهـم والمـهـمـــة
5.
بن لادن حياً وميتاً
6.
الفتاوى الدينية اليهودية وأثرها من المنظور القانوني الدولي
7.
قانونيون يطلبون عدم سعودة القضاء
8.
كارثة جدة (ما وراء الحدث).
9.
عواقب التبعية وحصادها المر
10.