الاسم*
الهاتف
البلد
البريد الالكتروني*
رسالتك*
الحقول ذات العلامة * إلزامية
العنوان
جدة, المملكة العربية السعودية
الهاتف
00966 2 651 3321
الفاكس
00966 2 651 0846
البريد الالكتروني
[email protected]
 
بشاعة الجريمة وحتمية المحاكمة
١٤، أغسطس ، ٢٠١٥
وكل ما تقدم أعلاه يعد في مجمله من قضايا المناطق الرمادية التي لم يعالجها القانون الإنساني الدولي نظرا لإحجام الدول عنها لأن علاجها والتعامل معها يقتضيان إعادة النظر في مفهوم السيادة ومفهوم التدخل في الشؤون الداخلية للدولة، وهي من المفاهيم التي حرصت الدول الكبرى على تقديسها في محراب العلوم السياسية والعلاقات الدولية بعد معاهدة "ويستفاليا" في القرن الـ17 والتي حكمت مفهوم الدولة الحديثة في ما بعد، كما حرصت جمهوريات الموز والدول الوظيفية على تقديسها لحماية سلطاتها القمعية من المساءلة.
"لأول مرة تتم إعادة النظر في محرمات وقدسية السيادة والتدخل المباشر، وهو ما نشأت عنه محكمة جرائم حرب البوسنة والهرسك والمحكمة الجنائية الدولية..."
غير أن التطور الإنساني على وجه العموم، والتواصل الإعلامي والاجتماعي خاصة في مناطق يعد فيها الحدث مؤثرا تأثيرا سلبيا مباشرا على ما حوله من تجمعات بشرية قد استوجبا إعادة النظر في هذه المفاهيم وبشكل تأصيلي دون مواربة.
تحولات قانونية
وما بدأ في القرن العشرين بمحاكمات نورمبيرغ للجرائم النازية في إطار جرائم الحرب ظل كذلك ولم يتطور ولم يشمل انتهاكات حقوق الإنسان داخل الدولة خارج مفهوم الحرب البينية بين الدول.
وكان أول تغيير جوهري على هذا الموقف هو الضغط الإعلامي والتأثير الداخلي في أوروبا تجاه حرب البلقان وتداعياتها، فهي الحديقة الخلفية لأوروبا والغرب، وتأثير الحرب على تجمع بشري وكيان اقتصادي منسجم كان بالغ الأثر.
ولأول مرة تتم إعادة النظر في محرمات وقدسية السيادة والتدخل المباشر، وهو ما نشأت عنه محكمة جرائم حرب البوسنة والهرسك والمحكمة الجنائية الدولية، وكانت هذه أول ضربة فأس في جدار قدسية السيادة وحرمان التدخل في الشؤون الداخلية، وتلا ذلك الغزو الأميركي للعراق.
أسست هذه المعطيات مبدأ جديدا في علم السياسة والعلاقات الدولية بني على حق الدول القادرة على التدخل بأنماط مختلفة لنجدة المضطهدين والمظلومين من ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، وعندما تأسست المحكمة الجنائية الدولية انتقلت العلاقات الدولية بهذا المفهوم الجديد إلى مرحلة مؤسسية قبلت فيها توجيه التهم إلى أشخاص ولممثلين لسيادة دول يبطشون باسمها شريطة أن تكون هذه الدولة منضمة إلى المحكمة أو أن تقبل الدولة الشكوى ضدها أو أن تكون الضحية تابعة لدولة منضمة إلى المحكمة، وأخيرا أن تطلب المحكمة من مجلس الأمن مساعدتها في عملها الجنائي.
وقد تتابعت دول أوروبا على إصدار قوانين داخلية تؤكد على قدسية الحقوق الإنسانية وتُقعد لأول مرة حق مواطنها والمقيم فيها رفع قضايا متعلقة بانتهاك حقوق الإنسان ضد أي شخصية طبيعية أو اعتبارية أو ممثل لجهة سيادية، وهو ما أنتج بداية نموذج جديد من نماذج نظرية ما بعد السيادة في القانون الدولي والذي نشهد اليوم تشكيله وتطويره، فرُفعت القضايا ضد زعماء من الكيان الصهيوني وزعماء من أميركا الجنوبية في المحاكم الوطنية، كما اضطلعت المحكمة الجنائية الدولية بالعديد من القضايا، منها انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور وجمهورية الكونغو ضد ممثل الدولة ورمز سيادتها.
"لم تكد هذه الأنظمة والقواعد الدولية المستحدثة أن تترسخ حتى ذهل العالم ولأول مرة في التاريخ البشري الحديث بقيام جيش نظامي مدعوم بقوات أمن الدولة بمجزرة لاعتصام سلمي ذهب ضحيته الآلاف.."
ضحايا بالآلاف
أما اليوم فلم تكد هذه الأنظمة والقواعد الدولية المستحدثة أن تترسخ حتى ذهل العالم ولأول مرة في التاريخ البشري الحديث بقيام جيش نظامي مدعوم بقوات أمن الدولة بمجزرة لاعتصام سلمي ذهب ضحيته الآلاف ثم قامت ذات الجهات بمحاولة لتغطية المجزرة بما هو أبشع منها، فأحرقت الجرحى وجثث القتلى لمنع تسرب الأدلة ولإزالة الشهود، وذلك بوحشية مطلقة هي في حقيقتها غباء مطلق في تصوره وإخراجه، خاصة ونحن في القرن الـ21 بما فيه من إمكانيات معلوماتية غيرت منهاج التعاطي السياسي، إلا أن هذا الإدراك يبدو أنه لم يصل إلى العقلية العسكرية العربية لما يعتريها من فساد وتسلط ونظرة فوقية أشبه بالحق الإلهي الذي منحته لنفسها، فكانت مجزرتا النهضة ورابعة.
ومن يظن أن مجزرة رابعة سيطالها النسيان فهو مخطئ بكل المعايير، بل لعلنا نقول إن تداعياتها الكاملة لم تظهر ولا تزال تتكشف بعد، إذ إن هناك عامل القانون الدولي الذي لا تزال تؤثر فيه الدول الكبرى فتستطيع أن تلجم مسيرته حتى حين ولكنها لن تستطيع أن توقف تقدمه إلى الأبد.
فالحرية النسبية للقضاء الوطني في أوروبا، والمصداقية التي تحاول المحكمة الجنائية الدولية الحفاظ عليها لا بد أنهما ستؤتيان أُكلهما إن عاجلا أم أجلا، فكل ضحية من ضحايا مجزرة رابعة يحق لذويه من حملة الجنسيات الأوروبية أو المقيمين إقامة شرعية في تلك الدول أن يرفع القضايا ضد مرتكبي مجزرة رابعة، كما يحق للدول التي ينتمي إليها هؤلاء الضحايا أن تطالب محكمة الجنايات الدولية بذات الأمر.
حتمية المحاكمة
ولا شك في أن العامين الماضيين شهدا الكثير من الطلبات التي لم تصل بعد إلى نقطة التفعيل، وذلك لأسباب متعلقة بلجام الدول الكبرى التي تحاول إطالة عمر النظام الحاكم والمسؤولين عن مجزرة رابعة حتى حين، أو بسبب الإطار الزمني الطبيعي للقضايا وإجراءاتها في المحاكم.
ولكن المؤكد أننا سنشهد قريبا وصول هذه القضايا إلى السطح ودخولها حيز التفعيل كما حدث في مؤتمر الاتحاد الأفريقي بجوهانسبرغ، حيث اضطر ممثل السلطة الحاكمة في مصر لأن يحجم عن تمثيل دولته خوفا من اعتقاله. 
إن هذه الإشارة تعد أولى الإشارات التي نجزم أنها ستتوالى، وما حدث له وما حدث من قبله للرئيس السوداني وما نراه من قضايا في المحكمة الجنائية الدولية ومحاكم الدول الغربية كمملكة بلجيكا والمملكة المتحدة والنرويج وكذلك محاكم دولة جنوب أفريقيا دليل قاطع على نهاية عصر قدسية سيادة الدولة وحرمة شؤونها الداخلية وبداية عصر جديد في القانون الدولي تتقدم فيه حقوق الإنسان من حيث المفهوم والمعيار مدعما بمفهوم القصاص والعقوبة، وهو ما بدأ يتبلور من أواخر القرن العشرين ومع بدايات القرن الـ21.
ولا شك في أن هذا المفهوم الجديد مهما عانى من مؤثرات دولية ومصالح إقليمية فإنه سيؤتي أُكله بما تضطر معه الدول الغربية الحامية للأنظمة المستبدة لأن تتخلى عنها عاجلا أم أجلا. 
والتاريخ مليء بالزعامات الصورية التي هوت في أتون ما اقترفت أيديها بعد أن رفع الغرب عنها حمايته وتركها لمصيرها، وإن الزمن القادم مليء بالتحولات وليس أقلها السلطات الجديدة التي منحتها الظروف والأقدار لمؤسسات المجتمع المدني الضاغطة بشدة لإجراء التغيرات الأخلاقية الحاكمة على سلوك حكوماتها الديمقراطية وكبح جماح تعاطيها مع الأنظمة الفاقدة للأسس الأخلاقية والشرعية.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
*خبير قانوني
من ملف رابعة: ذكرى المجزرة الثانية
رابط الملف:
views
بشاعة الجريمة وحتمية المحاكمة
1.
داعش ومستقبل التكوين السياسي في المنطقة العربية
2.
مصر بين أمسها وغدها
3.
موقع الإعلام ودوره المجتمعي وعلاقته بالمنظومة القضائية
4.
الهـم والمـهـمـــة
5.
بن لادن حياً وميتاً
6.
الفتاوى الدينية اليهودية وأثرها من المنظور القانوني الدولي
7.
قانونيون يطلبون عدم سعودة القضاء
8.
كارثة جدة (ما وراء الحدث).
9.
عواقب التبعية وحصادها المر
10.