الاسم*
الهاتف
البلد
البريد الالكتروني*
رسالتك*
الحقول ذات العلامة * إلزامية
العنوان
جدة, المملكة العربية السعودية
الهاتف
00966 2 651 3321
الفاكس
00966 2 651 0846
البريد الالكتروني
alim@alimlaw.com
 
كارثة جدة (ما وراء الحدث).
٢، ديسمبر ، ٢٠٠٩
الــزاويـة: صناعة الحياة

لا يدرك الانسان فداحة الاثار السلبية لغياب عنصر المحاسبة والشفافية والجرأة على الانتقاد إلا في الملمات التي تلم بالأمة متمثلة في الأمة على وجه العموم أو أقليم على وجه الخصوص.   وإننا إذ نذكر الأسباب يجب أن لا ننسى المتسببون تبعاً للأية الكريمة (إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شئٍ سببا * فأتبع سببا). وأستميح القارئ العربي والمسلم عذراً إن أقحمته في أمرٍ يجمع بين عمومية الهم الإسلامي وخصوصية الشأن المحلي في كتابة هذا المقال،  فجدة ليست مدينة كباقي مدن الجزيرة العربية فهي بحق بوابة بيت الله وبوابة الحجاز  وهي المدينة التجارية الأولى في وطني بل وفي المشرق العربي، يجد فيها العابر والمقيم ألفةً تندر في غيرها وأنسًا بما فيها من حراك إنساني وإجتماعي على جميع المستويات وبمختلف الأعراق والأجناس والأديان.

وعندما أفاقني صوت الرعد صباح يوم الترويه توجهت لأطلع على أثار المطر حيث أعتدت أن أرى منظر المياة تجري من أمام داري وأخذت اتأمل هذا الحراك البشري الذي طالما يدعوني لرصده ثم بدأت بعد ذلك تتقاطر الأخبار وتتوالى عن وجود إشكال من تجمع مياه الأمطار وهو ما لم يكن بالأمر المستغرب لدينا حيث أصبح الأمر في المجتمع الجداوي مادة للتندر والتهكم حتى ذهب البعض لإعتبار ان مدينة جدة تختلف عن غيرها من المدن وبأن شعارها (جدة غير) حمّال أوجه.  فهي (جدة) فعلاً مدينة تختلف عن غيرها من المدن ولا أدل على ذلك من تندر الجداوي بقوله إن إنهمار المطر على الأرض من رحمة الله ولكن لأن (جدة غير) فإن إنقطاع المطر عنها هو في إنقطاعه من رحمات الله الخفيه ليحمي المدينة وأهلها من المياه الراكدة وما يستتبع ذلك من أثار خطيرة كتجمعات البعوض والأوبئة وطفح الصرف الصحي ناهيك عن إتلاف الطرق ووسائل النقل وغير ذلك من المرافق الخاصة والعامة وهو الأمر الذي لا يستقيم في هذا الزمان  وفي ظل وجود موارد مالية يعز مثيلها في معظم دول العالم. إلا أن صباح يوم الترويه كان يوماً مشهوداً لأنه جاء بكارثة حقيقية أودت بأرواح مئات الأبرياء وكانت تلك هي اللحظة الفارقة.

لقد بدأ الأمر كما أعتدنا عليه بإهمال رسمي وتكتم إعلامي بإستثناء إشارات خفيفة معتادة نجترها عند نزول المطر ولكن ما لبث أن تكشفت حجم الكارثة على صفحات الشبكة العنكبوتية والرسائل الإلكترونية ورسائل الهاتف الجوال واستتبع ذلك الصحافة وبشكل إخباري (أي بدون تعليق أو تحليل). وأضطر بعدها المسئولين للإشارة إلى ما حدث مستصحبين في ذلك الحكمة البالغة (ربي نفسي، ربي نفسي) فالأمر لم يخرج عن القضاء والقدر عند البعض والبعض الآخر أعتبرها كارثة طبيعية وهناك من ذهب إلى لوم الضحايا بإعتبارهم من سكان العشوائيات وفئة إستوحت من طلب العلم مادة لخلق الاعذار فطالبت بدراسة أثر بناء التجمعات السكانية في بطون الأودية.  وكعادة الكثير من المثقفين والكتاب الذين لا يبدئون بالكتابة إلا بعد جس نبض المناخ العام (أي مدى تقبل المسؤول لما سوف يكتب) ووجود الظروف المواتية للكتابة في مثل هذه المواضيع (الإستراتيجية الخطيرة). وعندما يفعلوا إنما يفعلون ذلك على إستحياء وفقط في مواجهة صغار الموظفين والدوائر الدنيا من المسئولية فلا ترتفع الملامة عن حدها الأدنى (صغار الموظفين) إلا في ظروف إستثنائية ، وإن بلغت ذروتها فهي لا تتجاوز أمانة مدينة جدة دون تخصيص لأفراد أو لأشخاص . وإنني إذ أذكر ذلك إنما أذكره لأن ذمة الضحايا وحقوقهم سوف تُسأل عنها الدولة وسوف يُسأل عنها المسئولين فيها إبتداء من رأس الهرم وحتى قاعدته،  ولكن المثقفين والكتاب وأصحاب الرأي ووجهاء المجالس أيضا سوف يسألون عن هذا السكوت وحياء البكر غير المبرر وتقدمهم على إستحياء كطلاب المدارس المرورية الذين يرتقبون الإشارة الخضراء للتحرك.   وحتى بعد إضاءتها لا يتحركون إلا عندما يخطوا اجرأهم أول خطوة للأمام فيتبعه الباقيين بزهو الخائف وإقتدار العاجز.

ثم صدر الامر الملكي الذي يعتبر بحق نقله نوعية في الخطاب بين المسئول والمواطن ،من حيث الشكل، وينتظر بعد أن نعاين جدية الطرح والمتابعة والتطبيق على أرض الواقع.   والواقع يجب أن يأخذ في الإعتبار حقائق لا مراء فيها ولا جدوى من إخفائها فهي ظاهرة للعيان ظهور الشمس في كبد السماء ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

أولاً: إن مفهوم القضاء والقدر لا ينحصر في الضحايا فحسب بل إن تقصي الحقائق وفتح الملفات القديمة هو أيضاً من القضاء والقدر الذي ينزل على أهل الفساد القابعون في جحورهم وأن محاسبة المهمل والفاسد هو أيضاً من القضاء والقدر الذي ينزله الله على عباده الفاسدين المفسدين.  إن تصحيح مفهوم القضاء والقدر واجب حتمي،  إذ أن التدثر بمفهوم خاطيء عن ماهية القضاء والقدر ليس إلا إذاناً للإنهيار من مفهوم الدولة المدنية الحديثة والبيعة (العقد الإجتماعي) إلى درك الطبقية والطغيان والفساد الذي يطالب بحقوقه فقط ثم يعزي أثار إهماله وفساده إلى القضاء والقدر.  فنحن لسنا بأمة إتكالية ولا أمة كاهنوتية كنصارى العصور الوسطى يستخدم الدين مطية أو مخدر ينحرف بالمجتمع عن المطالبة بحقوقه.

ثانياً: من المعيب والمخجل أن توجه أصابع اللوم الى الضحايا الذين اختاروا أن يسكنوا في بطون الاودية وفي ممرات السيول،  فاللوم كل اللوم لمن منح تلك الاراضي وأعتبرها أراض صالحة للسكنى، واللوم كل اللوم لمن رخص لتخطيط تلك الاراضي وإعتبارها أرض وأحياء وتجمعات سكنية،  واللوم كذلك كل اللوم لمن لم يراع المفاهيم الإسلامية الفقهية القديمة في حرم الأودية وحرم الأبار وحرم المزارع وحرم الأنهار والتي لا تحتاج إلا لتطبيق حقيقي لها وفرز لتطبيقاتها على واقعنا المعاصر دون حاجتنا لإنتظار كارثة تضطرنا إلى ذلك  ولكن الجشع وسعار الأراضي والمتاجرة بها جعل المسؤولين يغفلون عن هذه الأبجديات التخطيطية والعمرانية.

ثالثاً: من المعيب والمخجل أن تحدث مثل هذه الكارثة دون أن يتدخل المسئولين في المنطقة بشكل فوري معتذرين بوجودهم في الحج،  ثم تمن علينا الصحافة الصفراء بأن أمير المنطقة تعجل في رمي الجمرات ليقف بنفسه على كارثة جدة.  أي بعد مضي أربعة أيام من وقوعها ولو أن هذا المسئول أو ذاك  جاءه خبر غرق منزله أو تعرض أحد أفراد أسرته للخطر لتحلل من إحرامه من فوره وهرع إلى أهله ليزيل الخطر أو ليصحبهم إلى مأمن.

رابعاً: إن الفساد لم يستشر في يوم وليلة ولكنه تراكم تاريخي أساسه غياب المشاركة في  الحكم والإنفراد بالقرار وإنعدام المحاسبة كواقع تطبيقي.   وإنني لأدعو إلى إعتبار كارثة جدة كارثة لم يتمثل فيها إهمال المسؤولين والفساد في تطبيق المشاريع فحسب ،  ولكنها كارثة تمثلت فيها كل أمراض المجتمع ونواقض العدالة الاجتماعية وأسس الحكم السليم.  فقد آن الأوان لإتخاذ القرار الملكي الصادر كقاعدة إنطلاق جديدة يحرسها أهل النخوة والمروءة والشجاعة من المثقفين والكتاب وأهل الحل والعقد وأصحاب الرأي لتعاد صياغة المؤسسات العامة والخاصة على أساسها،   فتصبح الصحافة صحافة رأي وتحليل ونقد وفوق ذلك كله صحافة رقابة تسمي الاشياء  بمسمياتها وتسمي المفسدين والمهملين والمقصرين بأسمائهم وأن يتحول مجلس الشورى إلى مجلس له من الصلاحيات ما يجعله قادراً على مسائلة وتقييم اداء المسئولين كائناً من كان هذا المسئول، وإحالة من يرونه إلى المحاسبة  أو التوصية بحجب الثقة عنه.   ولا يستقيم ما تقدم إلا بأسس حقيقية من الإنفتاح السياسي والحرية الصحفية والمشاركة الشعبية في مجلس الشورى والاستقلال القضائي بشكل عملى تطبيقي ناهيك عن مواكبته السريعة للمتغيرات الزمانية والمكانية.

وأخيراً وليس أخراً،  فإن الفساد لم يبدأ صبيحة يوم الاربعاء (يوم الترويه) ولكنه بدأ منذ أكثر من ثلاثين عاماً مع رسو أول مشروع من مشاريع الصرف الصحي ومشاريع تصريف مياه الامطار ومع بداية منح الاراضي للمتنفذين في الدولة والتوسع العمراني غير المخطط وغير المدروس بشكل علمي،  ومقتضى ذلك كله المحاسبة الدقيقة لهذه السلسلة الصدئة من المسئولين والمنتفعين كائنا من كانوا. إن ما تقدم وحده دون غيره هو الذي سيعيد تدفق الدماء والحيوية لهذا الوطن المبارك ولكل قطر وأقليم من أقاليم الأمة التي عانت وتعاني مما نعاني منه وتظهر آثاره المدمرة متمثلة في مختلف المآسي الإنسانية.

اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد،،،

 

والله من وراء القصد،،،

views
بشاعة الجريمة وحتمية المحاكمة
1.
داعش ومستقبل التكوين السياسي في المنطقة العربية
2.
مصر بين أمسها وغدها
3.
موقع الإعلام ودوره المجتمعي وعلاقته بالمنظومة القضائية
4.
الهـم والمـهـمـــة
5.
بن لادن حياً وميتاً
6.
الفتاوى الدينية اليهودية وأثرها من المنظور القانوني الدولي
7.
قانونيون يطلبون عدم سعودة القضاء
8.
كارثة جدة (ما وراء الحدث).
9.
عواقب التبعية وحصادها المر
10.